الشيخ محمد حسين الحائري

321

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

السابق مع أنه يكفينا في المقام احتمال ذلك فإنه لا يلزم من كون لا حسن عدميا أن يكون نقيضه وهو الحسن وجوديا ما لم يثبت كونه سلبا لوجود الحسن وهو يتوقف على إثبات كون الحسن وجوديا فإثبات كونه وجوديا بأن نقيضه سلب وجود دور وأما اتصاف المعدوم بلا حسن فاتصاف ذهني لا خارجي لامتناع تحقق صفة بكلا نوعيها بدون تحقق الموصوف في ظرف الاتصاف وقد يجعل الاتصاف في ذلك ونظائره خارجيا باعتبار كون الخارج بحيث ينتزع منه عدم الفعل المنتزع عنه إلى عدم الفعل المنتزع منه صفة لا حسن وله وجه ثم أقول إن أرادوا بتفسير القيام بالتبعية في التحيز أن القيام قد يطلق على هذا المعنى فمسلم لكن نمنع كون القيام في محل البحث بهذا المعنى بل بمعنى آخر كالاختصاص الناعت وإن أرادوا حصر معنى القيام فيه فإن ادعوا ذلك بالنسبة إلى الصفات الوجودية خاصة فبعد الاغماض عما يرد عليه من النقض بالصفات الوجودية اللاحقة للمجردات لا تنافي المقصود إذ قد بينا أن الحسن والقبح العقليين ليسا من الصفات الوجودية بل الاعتبارية فلا يكون قيامهما من قبيل القيام بمعنى التبعية في التخير بل بمعنى آخر وإن ادعوا ذلك بالنسبة إلى مطلق الصفات فتوجه المنع عليه جلي لان الصفة إذا كانت اعتبارية كان قيامها بموصوفها عبارة عن كونه بحيث يصح انتزاعها منه لا غير وهذا مما يستوي فيه الجوهر والعرض على أنه يلزم على هذا التقدير استدراك بعض مقدمات الدليل إذ لا حاجة حينئذ إلى إثبات كون الحسن والقبح وجوديين بل على تقدير كونهما اعتباريين يلزم أن يكون الوصف لمحل الفعل ولا يصح وصف الشئ بمعنى لا يقوم به مطلقا كما مر تحقيقه في مسألة المشتق ثم لو سلم أنهما وجوديان وأن القيام عبارة عن التبعية في التحيز خاصة فبطلان التالي ممنوع لان التابع في التحيز إما أن يكون نابعا فيه لمتحيز أصلي أو تبعي والتحيزان متغايران ولو بحسب الاعتبار فيصح قيام المعنى بالمعنى ولا يلزم منه قيامه بمحل المعنى لان العبرة في القيام المصحح لصدق الوصف بالتبعية الابتدائية وهي لاحقة للمعنى بالنسبة إلى المعنى لا محله واعلم أن بعضهم زعم أن هذه الحجة على تقدير صحتها لا تنهض على الجبائية فخصها بغيرهم لان الحسن مثلا إذا لم يكن من الصفات الذاتية جاز أن لا يكون وجوديا بل اعتباريا فلا يكون معنى وفيه نظر لان الدليل المذكور يثبت كونه وجوديا على تقدير اتصاف الفعل به فيثبت به كونه معنى على ما عرفت بل قد عرفت أنه يجري على تقدير اعتباريته أيضا لكن على تقدير تخصيصها بالقول بالذاتية لا يتم النقض إلا بالصفات الذاتية كالامكان الثاني لو حسن الفعل أو قبح لغير الشرع لزم أن لا يكون الباري تعالى مختارا في تشريع الاحكام والتالي باطل اتفاقا أما الملازمة فلان الحكم بالمرجوح قبيح فيمتنع صدوره منه تعالى فلا يكون مختارا فيه وهو المذكور في التالي وأما بطلانه فموضع وفاق والجواب منع الملازمة فإن امتناع صدور الفعل لتحقق الصارف لا يقدح في ثبوت الاختيار فيه فإن الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار كالواجب وسيأتي لهذا مزيد بيان الثالث لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب به لذاته أي لذات الطلب والتالي باطل وأما الملازمة فلتوقف تعلقه حينئذ على حصول غيره وما يتوقف ثبوته للشئ على حصول غيره لا يكون له لذاته وأما بطلان التالي فلان تعلق الطلب بالمطلوب تعلق عقلي لأنه صفة ذات إضافة لا يعقل إلا مضافا إلى مطلوب فمتى حصل الطلب تعلق بالمطلوب بنفسه ولا يتوقف على غيره هذا أظهر الوجوه التي ذكروها في تقرير هذه الحجة والجواب أما أولا فبالنقض بالطلب الصادر منافاته لو صح ما ذكر لزم أن لا يتوقف على ملاحظة غير المطلوب من المصالح التي تراعى في العين لعين ما مر من أنه صفة ذات إضافة لا يستدعي أمرا غير المطلوب والتالي باطل بالضرورة وأما ثانيا فبالحل وهو أن استغناء الامر الإضافي في التعلق بعد الوجود عن العلة لا يستلزم استغناءه في الوجود عنها واللازم على القول بالتحسين والتقبيح توقف وجود الطلب في الخارج على تحقق الجهة المرجحة لا أنه يوجد ويتوقف تعلقه بالمطلوب على تحققها وهو واضح مع أن هذا الاشكال مما لا مدفع له على ما ذهب إليه الأشاعرة من قدم الطلب وحدوث تعلقه بالمكلفين فإن إضافة الطلب إلى المكلف على حد إضافته إلى الفعل المطلوب فيلزمهم الفساد المذكور الرابع أن فعل العبد غير صادر عنه باختياره فلا يتصف بالحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه اتفاقا أما عند المنكرين لهما فواضح وأما عند القائلين بثبوتهما فلأنهما عندهم من صفات الأفعال الاختيارية لا غير والدليل على أنه غير صادر عنه باختياره أمران الأول أن الفعل الصادر من المكلف لا يخلو إما أن يكون لازم الصدور عنه أو لا فإن كان الأول لزم أن لا يكون مختارا فيه لان لزوم الصدور ينافي الاختيار وإن كان الثاني كان جائزا صدوره وعدمه وحينئذ فإن قلنا بأنه يفتقر إلى مرجح سواء كان من الفاعل أو غيره فمع المرجح يعود التقسيم إلى أنه إما أن يكون لازم الصدور عنه فلا يكون مختارا فيه أو يكون جائزا وجوده وعدمه فيفتقر إلى مرجح آخر وحينئذ فإما أن ينتهي إلى مرجح يكون معه لازم الصدور فلا يكون اختياريا أو يتسلسل وإن قلنا بأنه لا يفتقر إلى مرجح بل يصدر عن الفاعل تارة ولا يصدر عنه أخرى مع تساوي الحالين من غير مدخلية لأمر زائد كان اتفاقيا فلا يكون مختارا فيه أيضا لأنه يصدر من الفاعل من غير قصد ولا تعلق إرادة وقدرة لا يقال هنا قسم آخر وهو أن يصدر الفعل من الفاعل على وجه لا يكون